مجد الدين ابن الأثير
313
المختار من مناقب الأخيار
ارجع إلى سؤالك . ثم قال أبو سعيد : كنت أراعي شيئا من هذا الأمر في حداثتي ، فسلكت بادية الموصل ، فبينا أنا سائر [ إذ ] سمعت حسّا من ورائي فحفظت قلبي عن الالتفات ، فإذا الحسّ قد دنا مني ، وإذا بسبعين قد صعدا على كتفيّ ، فلحسا خدّي ، فلم انظر إليهما حين صعدا ولا حين نزلا « 1 » . وقال : المعرفة تأتي القلب من جهتين : من عين الجود ، ومن بذل المجهود « 2 » . وقال : إذا بكت أعين الخائفين فقد كاتبوا اللّه بدموعهم « 3 » . وقال : العافية سترت البرّ والفاجر ، فإذا جاءت البلوى تبيّن عندها الرجال « 4 » . وقال : كنت يوما أمشي في الصحراء ، فإذا قريب مني عشرة كلاب من كلاب الرّعاة شدّوا علي ، فلما قربوا مني جعلت أستعمل المراقبة ، فإذا كلب أبيض قد خرج من بينهم ، وحمل على الكلاب فطردهم عنّي ولم يفارقني حتى تباعدت الكلاب ، ثم التفتّ فلم أره « 4 » . قال : وكان لي معلّم يختلف إليّ يعلّمني الخوف ثم ينصرف ، فقال لي يوما : إنّي معلّمك خوفا يجمع لك كلّ شيء . قلت : ما هو ؟ قال : مراقبة اللّه عزّ وجل « 4 » . وقال : إنّ اللّه تعالى عجّل لأرواح أوليائه التلذّذ بذكره والوصول إلى قربه ؛ وعجّل لأبدانهم النعمة بما نالوه من مصالحهم ، وأجزل لهم نصيبهم من كلّ كائن ، فعيش أبدانهم عيش الجنانيّين ، وعيش أرواحهم عيش الرّبّانيّين ، لهم لسانان ، لسان في الباطن يعرّفهم صنع الصانع في المصنوع ،
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 14 / 400 وتاريخ ابن عساكر 7 / 113 ، 114 وما بين معقوفين منهما . ( 2 ) الحلية 10 / 247 . ( 3 ) صفة الصفوة 2 / 437 . ( 4 ) صفة الصفوة 2 / 438 .